ثمة أشياء يمكن إعادة بنائها، وأشياء أخرى إذا تهدّمت لا تعود كما كانت. يمكن أن يُبنى بيت مكان بيت، وأن يُفتح طريق بعد أن يُردم، وأن تُعاد زراعة أرض احترقت، لكن كيف تُستعاد شجرة زيتون اقتلعها القصف وقد كانت جذورها أعمق من أعمار الذين عاشوا تحت فيئها؟ وكيف يُستعاد تراب حمل آثار أقدام أجيال، أو مقبرة بقيت تحفظ أسماء من رحلوا؟ في الجنوب اللبناني، لا تُدمَّر الحجارة وحدها، بل تُمحى معها تفاصيل كانت تمنح المكان معناه.
فمن يعود إلى بلدته بعد الحرب قد لا يبحث عن بيته فقط، بل عن وجوه غابت وأصوات كانت تملأ الأزقة وذكريات بقيت في كل زاوية. هنا كان يجلس الأب، وهناك كان يلعب الابن، وفي ذلك الحقل كان الأخ يعمل. وحين تتغير ملامح البلدة، لا تضيع الجدران وحدها؛ تضيع معها التفاصيل التي كانت تربط الناس بأمكنتهم، وتغدو تلك الأمكنة أقل قدرة على رواية قصتهم.
لكن المسألة لا تتوقف عند الفقد الإنساني والرمزي. الأخطر أن الدمار يمكن، مع مرور الوقت، أن يغيّر الشروط التي تجعل العودة ممكنة أصلاً. فقد يعود النازح إلى قريته لكنه لا يجد القرية التي غادرها، أو يعود إلى أرضه فيجدها بلا أشجار وقد تغيرت معالمها. فالبيت يمكن تشييده من جديد، أما استعادة الزراعة ومصادر الدخل والخدمات وشبكة العلاقات التي تجعل البقاء ممكنًا، فتحتاج إلى وقت وموارد واستقرار. ومن هنا يتضح الفرق بين إعادة إعمار الأبنية وإعادة بناء الحياة.
وهذه ليست فرضية نظرية. فقد تعرضت الأراضي الزراعية والحرجية في جنوب لبنان بسبب النزاع المستمر إلى أضرار بلغت نحو 22.5% من إجمالي المساحات الزراعية، متجاوزةً 56 ألف هكتار. وأسفر العدوان الإسرائيلي عن القضاء على ما بين 50 و60 ألف شجرة زيتون معمّرة، بناءً على تحليل صور الأقمار الاصطناعية لبيانات الأعوام حتى 2024 و2025.
وتكتسب هذه الأضرار أهميتها من طبيعتها؛ فالشجرة المعمّرة لا تُعوَّض في موسم واحد، وإعادة تكوين بستان فقد أشجاره تحتاج إلى سنوات، ما يرفع كلفة استعادة النشاط الزراعي ويؤخر استعادة شروط الحياة في القرى الحدودية. وقد أشار تقييم أممي إلى أن الأضرار التي لحقت ببساتين الزيتون ستكون ذات آثار ممتدة، لأن إعادة الزراعة وإعادة بناء البساتين تحتاجان إلى وقت وموارد.
ومع إطالة أمد النزوح، وتعطل الزراعة، وتضرر المدارس والطرق وشبكات المياه والخدمات، تبدأ شروط الحياة نفسها بالتبدل. فالأرض ليست مساحة يمكن استردادها قانونيًا فحسب، ولا عنوانًا في سجل الملكية؛ إنها منظومة من السكن والزراعة والعمل والخدمات والعلاقات الاجتماعية. وحين تتضرر هذه المنظومة فترة طويلة، لا يبقى التغيير محصورًا في الأبنية المهدمة، بل يمتد إلى وظيفة المنطقة وعلاقتها بسكانها.
عند هذه النقطة تحديدًا تنتقل المسألة من سؤال: ماذا دُمّر؟ إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا يُعاد تشكيله؟ فالمستقبل لا تصنعه القرارات السياسية وحدها، بل قد يبدأ من تفاصيل تبدو مادية ومحايدة: من يستطيع استعادة أرضه، ومن يملك القدرة على تشغيل مزرعته، ومن يجد مدرسة وطريقًا ومياهًا وخدمات تسمح لعائلته بالبقاء. ومع تراكم هذه العوامل، يمكن أن تتبدل البنية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة من دون إعلان سياسي مباشر.
وتفرض فلسطين نفسها كدرس تاريخي، لا لأن ما جرى عام 1948 يتكرر بالضرورة في جنوب لبنان، فلكل حالة سياقها وشروطها، بل لأن التجربة الفلسطينية أظهرت كيف يمكن للنزوح وتغيّر معالم الأرض وانقطاع السكان عن أماكنهم أن يجعل مسألة العودة ممتدة عبر أجيال. والدرس ليس أن التاريخ يعيد نفسه، بل أن تغيير شروط العيش قد يترك آثارًا تتجاوز لحظة النزوح نفسها. فعندما يصبح الاستقرار في المكان أكثر صعوبة، قد يتحول النزوح المؤقت إلى واقع طويل الأمد، ثم يترسخ واقع اقتصادي واجتماعي جديد يصعب عكسه.
ولا توجد، في المعطيات المتاحة، أدلة كافية للقول إن تدمير الجنوب يجري بهدف مباشر ومعلن لإقامة استيطان صهيوني فيه. لكن غياب الدليل على وجود هذا الهدف لا يلغي ضرورة مراقبة النتيجة المحتملة. فقد يبدأ التحول بالدمار، ثم بالنزوح، ثم بتراجع القدرة على استعادة النشاط الاقتصادي، فيترسخ أثره مع مرور الوقت.
وعندئذٍ لا يعود الخطر متعلقًا بالمستقبل وحده، بل بالماضي أيضًا. فمن يتغير المكان أمام عينيه قد يجد أن الرواية التي ستُكتب عنه غداً لن تشبه الرواية التي كان يمكن أن تُكتب عنه اليوم. وهنا يظهر ما يمكن تسميته «تزوير التاريخ». وليس المقصود اختلاق واقعة لم تحدث، بل أن يؤدي تغير الواقع المادي إلى جعل رواية الماضي قابلة لإعادة الصياغة. فحين تختفي البيوت والأشجار والحقول والقبور والطرق، وتتراجع الصلة اليومية بين السكان وأرضهم، يصبح من الأسهل أن تُروى قصة المكان انطلاقًا من صورته الجديدة، لا من تاريخه السابق.
ولهذا فإن التوثيق اليوم ليس ترفًا أرشيفيًا، بل جزء من حماية المستقبل نفسه. فصور الأقمار الاصطناعية قبل التدمير وبعده، وخرائط القرى والأراضي الزراعية، وتوثيق الأشجار والحرائق والهدم، وسجلات الملكية والسكان، ومسارات النزوح والعودة، كلها تتحول مع الزمن إلى أدلة تمنع أن يصبح الواقع الجديد المصدر الوحيد لفهم ما كان قائمًا قبله. فالتاريخ لا تحفظه الكتب وحدها؛ تحفظه أيضًا الشواهد التي تبقى من المكان.
وقد يأتي زمن لا يكون فيه السؤال فقط: ماذا حدث للجنوب اللبناني؟ بل: ماذا كان هنا قبل أن يتغير؟ من عاش فيه؟ ماذا زرع؟ ماذا بنى؟ ولماذا غاب؟ وإذا لم تُحفظ الإجابة اليوم، فقد تصبح الصورة التي تتركها الحرب هي الرواية التي يكتبها التاريخ غداً.
فالمعركة، في جوهرها، ليست فقط على ما سيبقى من الأرض، بل على أي جنوب سيبقى، ومن سيتمكن من الاستمرار في العيش فيه، وكيف ستُحفظ ذاكرته وتاريخه. وما يُقتلع من الأرض اليوم قد لا يُستعاد غداً، وما يُمحى من المكان لا يمحو الماضي وحده؛ بل يهدد أيضًا استمرارية الذاكرة التي تحفظ قروناً من تاريخ جبل عامل.
ومن هنا فإن إعادة إعمار الجنوب لا ينبغي أن تُقاس بعدد البيوت التي ستُبنى أو الطرق التي ستُفتح أو المنشآت التي ستُرمَّم فقط. فالإعمار الحقيقي هو أن يعود الإنسان إلى أرضه، وأن تعود الأرض إلى إنتاجها، وأن تبقى الذاكرة متصلة بالمكان، وأن يظل ما كان قائمًا قبل الحرب قابلاً للإثبات والتوثيق. عندها فقط لا تكون إعادة الإعمار مجرد رصف للحجارة من جديد، بل حمايةً لاستمرارية الجنوب نفسه، أرضًا وسكانًا وذاكرةً وتاريخًا.





















































